فصل: قال عبد الكريم الخطيب:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق الزهري عن عروة عن عائشة قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمرر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية ولما ابتلى المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا قبل أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك العماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال ابن الدغنة: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي.
قال ابن الدغنة: مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق فانا لك جار فارجع فاعبد ربك ببلدك فارتحل ابن الدغنة فرجع مع أبي بكر فطاف ابن الدغنة في كفار قريش فقال: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج أتخرجون رجلًا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقرى الضيف ويعين على نوائب الحق فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وأمنوا أبا بكر وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره وليصل فيه ما شاء وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا ولا يستعلن باللاة والقراءة في غير داره ففعل ثم بدا لأبي بكر فابتني مسجدًا بفناء دار فكان يصلي فيه ويقرأ فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه وكان رجلًا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن فأفزع ذلك اشراف قريش فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا: إنما أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره وانه جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره وأعلن بالصلاة والقراءة وإنا خشينا أن يفتتن نساؤنا وأبناؤنا فان أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل وأن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد إليك ذمتك فأنا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان فأتى ابن الدغنة أبا بكر فقال: يا أبا بكر قد علمت الذي عقدت لك عليه فاما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترد إلى ذمتي فاني لا أحب أن تسمع العرب إني أخفرت في عقد رجل عقدت له فقال أبو بكر: فاني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة يومئذ قال للمسلمين: قد أريت دار هجرتكم أريت سبخة ذات نخل بين لابتين وهما حرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة إلى أرض الحبشة من المسلمين وتجهز أبو بكر مهاجرًا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: على رسلك فانى أرجو أن يؤذن لي.
فقال أبو بكر: وترجو ذلك بأبي أنت قال: نعم.
فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحبته وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر فبينما نحن جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلًا في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر: فداه أبي وأمي إن جاء به في هذه الساعة إلا أمر فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن من عندك؟ فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنه قد أذن لي بالخروج.
فقال أبو بكر: فالصحابة بأبي أنت يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم.
فقال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: بالثمن قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز فصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر من نطاقها فأوكت به الجراب فلذلك كانت تسمى ذات النطاق.
ولحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل يقال له ثور فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيخرج من عندهما سحرًا فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرًا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حتى يختلظ الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى لأبي بكر منيحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب بغلس ساعة من الليل فيبيتان في رسلها حتى ينعق بها عامر بغلس يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا من الدئل من بني عبد بن عدي هاديًا خريتا قد غمس يمين حلف في آل العاص بن وائل وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث فأتاهما براحلتيهما صبيحة ثلاث ليال فأخذ بهم طريق أذاخر وهو طريق الساحل الحديث بطوله، وفيه من الدلالة على فضل الصديق رضي الله تعالى عنه ما فيه، وهو نص في أن تجهيزهما كان في بيت أبي بكر وأن الراحلتين كانتا له، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبل إحداهما إلا بالثمن يرد على الرافضي زعم نهمة الصديقة وحاشاها في الحديث.
هذا ومن أحاط خبرًا بأطراف ما ذكرناه من الكلام في هذا المقام علم أن قوله: كان شيئًا وراء ذلك فبينوه لنا حتى نتكلم عليه ناشئ عن محص الجهل أو العناد {وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} وبالجملة إن الشيعة قد اجتمعت كلمتهم على الكفر بدلالة الآية على فضل الصديق رضي الله تعالى عنه ويأبي الله تعالى إلا أن يكون كلمة الذين كفروا السفلى وكلمته هي العليا. اهـ.

.قال القاسمي:

{إِلاّ تَنْصُرُوهُ} أي: بالخروج معه إلى تبوك {فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} يعني كفار مكة حين مثور، به، فصاروا سبب خروجه، فخرج ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه {ثَانِيَ اثْنَيْنِ} حال من ضميره صلى الله عليه وسلم، أي: أحد اثنين {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} بدل من: {إِذْ أَخْرَجَهُ} بدل البعض، إذ المراد به زمان متسع.
والغار نقب في أعلى ثور، وهو جبل في الجهة اليمنى من مكة على مسيرة ساعة، مكثا فيه ثلاثًا، ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهما، ثم يسيرا إلى المدينة، {إِذْ يَقُولُ} بدل ثان، أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم {لِصَاحِبِهِ} أي: أبي بكر: {لا تَحْزَنْ} وذلك أن أبا بكر رضي الله عنه أشفق من المشركين أن يعلموا بمكانهما، فيخلص إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أذى، وطفق يجزع لذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} أي: بالنصرة والحفظ.
روى الإمام أحمد والشيخان عن أبي بكر رضي الله عنه قال: نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار، وهم على رؤوسنا، فقلت: يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه! فقال: «يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما».
{فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ} أي: أَمَنَتَه التي تسكن عندها القلوب {عَلَيْهِ} أي: على النبيّ صلى الله عليه وسلم {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} يعني الملائكة، أنزلهم ليحرسوه في الغار، أو ليعينوه على العدوّ يوم بدر والأحزاب وحنين، فتكون الجملة معطوفة على قوله: {نَصَرَهُ اللَّهُ} وقوّى أبو السعود الوجه الثاني، بأن الأول يأباه وصفهم بعدم رؤية المخاطبين لهم.
قلت: لا إباءة، لأن هذا وصف لازم لإمداد القوة الغيبية في كل حال، وفي الثاني تفكيك في الأسلوب لبعد المتعاطفيْن، فافهم. والله أعلم.
{وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى} أي: المغلوبة المقهورة، والكلمة الشرك، أو دعوة الكفر، فهو مجاز عن معتقدهم الذي من شأنهم التكلم به على أنها الشرك، أو هي بمعنى الكلام مطلقًا على أنها دعوة الكفر {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} يعني التوحيد، أو دعوة الإسلام كما تقدم، أي: التي لا تزال عالية إلى يوم القيامة {وَكَلِمَةُ اللَّهِ}
بالرفع على الإبتداء و: {هِيَ الْعُلْيَا} مبتدأ وخبر. أو تكون هي فصلًا.
وقرئ بالنصب أي: وجعل كلمة الله، والأول أوجه وأبلغ، لأن الجملة الإسمية تدل على الدوام والثبوت، وإن الجعل لم يتطرق لها لأنها في نفسها عالية لا يتبدل شأنها ولا يتغير حالها، وفي إضافة الكلمة إلى الله إعلاء لمكانها، وتنويه لشأنها.
{وَاللَّهُ عَزِيزٌ} أي: غالب على ما أراد: {حَكِيمٌ} في حكمه وتدبيره.

.تنبيه [على فضل الصديق رضي الله عنه]:

قال بعض مفسري الزيدية: استدل على عظيم محل أبي بكر من هذه الآية من وجوه: منها: قوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ}، وقوله: {إنَّ الله مَعَنَا}، وقوله: {فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} قيل: على أبي بكر.
عن أبي علي والأصم، قال أبو علي: لأنه الخائف المحتاج إلى الأمن، وقيل: على الرسول، عن الزجاج وأبي مسلم.
قال جار الله: وقد قالوا: من أنكر صحبة أبي بكر فقد كفر، لأنه رد كتاب الله تعالى. انتهى.
وقال السيوطي في الإكليل: أخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: أنا، والله! صاحبه، فمن هنا قالت المالكية: من أنكر صحبة أبي بكر كفر وقتل، بخلاف غيره من الصحابة، لنص القرآن على صحبته. انتهى.
وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: «أنت صاحبي على الحوض، وصاحبي في الغار»- أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب-.
وقد ساق الفخر الرازي اثني عشر وجهًا من هذه الآية على فضل الصديق رضي الله تعالى عنه، فأطال وأطاب. اهـ.

.قال عبد الكريم الخطيب:

قوله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ}.
فى هذه الآية الكريمة أمور:
أولا: صلتها بالآيات التي قبلها.. حيث تبدو الصلة غير واضحة في ظاهر الأمر بين هذه الآية، وما جاءت به الآيات قبلها من مقررات وأحكام..
والذي يمعن النظر في الآية الكريمة يرى أنها تطبيق مؤسس على مقررات الآيات السابقة، حيث جاء في قوله تعالى: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
فقد قررت هذه الآية فيما قررت، أن اللّه إذا أراد نفاذ أمر فلن تقف دونه قوة في هذا الوجود، وأنه سبحانه قد أراد إعزاز دينه، وإظهاره على الدين كلّه، وأن المجاهدين الذين يجاهدون في سبيل اللّه ما هم إلا أدوات عاملة في مجال تلك الإرادة التي أرادها اللّه، ليكتب لهم عند اللّه الأجر العظيم، والمثوبة والرضوان، وأن إرادة نافذة على أي حال..
وفى قوله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ} شاهد قائم، رآه المسلمون رأى العين.. وهو أن اللّه قد نصر النبي الكريم، وخلّصه من يد المشركين الذين كانوا له بمرصد، على كل ثنيّة، وعلى كل طريق، ولم يكن مع النبي الكريم قوّة ظاهرة، لم يكن إلا هو وصاحبه أبو بكر.. وكانا أعزلين من كل سلاح، إلا سلاح الإيمان الذي يملأ قلبيهما، مجرّدين من كل قوة، إلا قوة الحقّ الذي في يديهما، محرومين من كل نصير، إلا عون اللّه لهما، وحراسته القائمة عليهما.
ثانيا: لم يذكر النبي الكريم ذكرا صريحا، وإنما جاءت الإشارة إليه مضمرة في ضمير الغائب.. هكذا {إِلَّا تَنْصُرُوهُ}.
وفى هذا إشارة مضيئة تشير إلى النبي الكريم، وتحيطه بهالة من نور رباني، بحيث تشخص الأبصار كلّها إلى هذا النور العلوي الذي يفاض على النبي، ويحفّ به.. فليس هناك من تخلّى عنه الأنصار والأعوان- في هذا الموقف بالذات- غير النبي، وليس هناك أيضا من أحاطت به العناية الربانية، وحفّت به أمداد العون والنصر الإلهي- في هذا الموطن بالذات أيضا- غير النبي.. فكانت الإشارة إليه- في هذا الموقف بالذات- مغنية عن كل ذكر، وكانت الإماءة إليه أبلغ من كل تصريح..
ثالثا: لم يذكر اسم الصاحب الذي صحب النبي في هذه الحال، بل جاء على النسق الذي جاء عليه ذكر النبي..
{إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا}.
وفى هذا تشريف لمقام أبى بكر- رضوان اللّه عليه- وتمجيد لتلك الصحبة المباركة، التي جعلت منه صاحب نبي، ورفيق رسول، يأخذ بنصيب طيّب من رعاية اللّه لنبيّه، ويستظل بما استظل به النبي من نصر اللّه وتأييده.
وأبو بكر في هذا المقام هو القوة المادية الظاهرة، من الإنسانية كلها، التي كانت تسند النبي، وتشدّ أزره، وتؤنس وحدته، وتقتسم الضّراء- بل قل السّرّاء- معه! فقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم- في هذا الموقف- جبهة يحاربها الشرك كلّه، ويكيد لها المشركون كلّهم.. وكان أبو بكر رضوان اللّه عليه، هو وحده كلمة الحقّ، والإيمان، التي أراد اللّه سبحانه وتعالى لها هذا المقام الكريم، إلى جانب النبي الكريم..
وإنه بحسب أبى بكر- رضوان اللّه عليه- من التكريم والتشريف أن يكون اليد الأخرى المباركة التي تحمل مع النبي الكريم رسالة السماء، ودعوة الحق، إلى حيث أراد اللّه لها أن تطلع بنورها، وتمنح الناس ما فيها من هدى ورحمة، وأمن وسلام..